إن الشعور المستمر بالوهن والتعب والنعاس لدى الأطفال قد ينشأ في كثير من الأحيان بسبب أسباب بسيطة مثل طفرات النمو أو إرهاق المدرسة أو نقص التغذية، إلا أن هذه الحالة قد تكون أيضًا من أهم علامات المشكلات القلبية الخطيرة التي يعجز فيها القلب عن ضخ كمية كافية من الدم والأكسجين إلى الجسم. ويظهر عدم تلبية احتياجات الأنسجة من الطاقة ضمن حالات سريرية مثل قصور القلب أو التشوهات البنيوية الخلقية أو اضطرابات النظم. ولأن الإعياء وتراجع القدرة على النشاط والميل إلى النوم طوال اليوم لدى الطفل قد تكون انعكاسًا لمشكلة جهازية في الدورة الدموية، فإنها تُعد عرضًا مهمًا يستوجب تقييمًا دقيقًا دون تأخير من اختصاصيي أمراض قلب الأطفال للوصول إلى التشخيص الصحيح ووضع العلاج المناسب.
ما أسباب الشعور المستمر بالوهن لدى الأطفال؟
يُعد جسم الإنسان آلية شديدة التعقيد تحتاج باستمرار إلى الطاقة، بدءًا من المستوى الخلوي وصولًا إلى أكبر أجهزة الأعضاء. ويتولى القلب، بوصفه المحرك الرئيسي لهذه الآلية، نقل الدم القادم من الرئتين والغني بالأكسجين إلى أبعد نقاط الجسم. ويشير عجز جريان الدم الجهازي، أي كمية الدم التي يرسلها القلب إلى الجسم، عن تلبية الاحتياجات الفورية للأعضاء إلى تباطؤ في ديناميكيات الدورة الدموية. وقد تؤثر حالات ضعف أداء انقباض عضلة القلب أو الاختلافات البنيوية في نظام الصمامات أو اضطرابات النظم في حجم الدم الذي يُضخ إلى الأنسجة.
وعندما لا تحصل الخلايا على ما يكفي من الأكسجين الطازج والمواد الغذائية اللازمة لأداء وظائفها اليومية، تبدأ دورة إنتاج الطاقة في الجسم بالتباطؤ. وقد تجد الأنسجة العضلية التي انخفض دعمها بالأكسجين صعوبة في تنفيذ الحركات المعتادة بكامل قدرتها. وبالمثل، قد تظهر التقلبات في كمية الأكسجين التي تصل إلى الدماغ على هيئة صعوبة في التركيز، وعدم الاهتمام بالدروس، وكثرة التثاؤب، والميل إلى النوم، وشعور مستمر بالإرهاق طوال اليوم. ولذلك قد يكون من أهم العوامل الكامنة وراء التعب الذي لا يزول حتى مع الراحة عجز القلب عن تنظيم تدفق دم كافٍ لتلبية الطاقة التي يحتاجها الجسم. وقد يؤدي ذلك إلى دخول الأعضاء عمومًا في وضع توفير للطاقة، مما يجعل الطفل يميل إلى تجنب الحركة.
هل يسبب قصور القلب الوهن لدى الأطفال؟
يمكن تلخيص قصور القلب بأنه عجز القلب، لأسباب بنيوية أو وظيفية، عن ضخ الدم الذي يحتاجه الجسم بالسرعة والكمية الكافيتين، ويُعد من الأسباب المهمة جدًا لانخفاض الطاقة في مرحلة الطفولة. وقد يؤدي هذا المسار إلى استجابات جسدية مختلفة بحسب تأثر الجانب الأيمن أو الأيسر من القلب.
يتولى الجانب الأيسر من القلب استقبال الدم المؤكسج القادم من الرئتين وتوزيعه إلى جميع أنحاء الجسم. وعندما تضعف قدرة هذا الجانب على الانقباض، لا تنخفض فقط كمية الدم المتجهة إلى أعضاء مثل الكليتين والدماغ والعضلات، بل يبدأ الدم الذي لا يستطيع التقدم بالتجمع إلى الخلف داخل الأوعية الرئوية. وقد يحدث نتيجة ارتفاع الضغط هذا تسرب للسوائل إلى أنسجة الرئة. وتفقد الرئتان المثقلتان بالسوائل مرونتهما، مما يجبر الطفل على بذل جهد أكبر بكثير حتى لأخذ نفس عادي. ويستهلك الطفل طاقة إضافية مع كل حركة للقفص الصدري، فتتضاعف حالة التعب الموجودة لديه.
أما في مشكلات الجانب الأيمن من القلب، فتحدث صعوبة في ضخ الدم العائد من الجسم إلى الرئتين. ويبدأ الدم بالتجمع تدريجيًا في الجهاز الوريدي للجسم.
وتشمل بعض العلامات التي يمكن ملاحظتها في الجسم عند وجود مشكلات في القلب الأيمن ما يلي:
- تضخم الكبد
- انتفاخ منطقة البطن
- وذمة واضحة في الساقين
- تورم الكاحلين
ويؤدي تراكم السوائل في الأنسجة إلى صعوبة وصول الدم المؤكسج إلى تلك المناطق، مما يسبب نقصًا عامًا في تغذية الأنسجة وإرهاقًا خلويًا. وقد يبلغ هذا الإرهاق حدًا يجعل الطفل يشعر بثقل في ساقيه حتى عند المشي، ولا يرغب حتى في النهوض من السرير.
كيف تختلف أعراض الوهن الناتجة عن أمراض القلب باختلاف الفئات العمرية؟
قد تظهر درجة التعب وشكله المرتبطان بصحة القلب بطرق شديدة الاختلاف في الفئات العمرية الممتدة من مرحلة الرضاعة إلى المراهقة. وتُعد مراقبة قدرة الأطفال على بذل الجهد في حياتهم اليومية معيارًا مهمًا لفهم وجود المشكلة.
وفي مرحلة الرضاعة، تكون عملية التغذية هي أكبر نشاط بدني يتطلب جهدًا، خاصة لدى الأطفال الذين يتغذون على حليب الأم أو الحليب الصناعي. ولا يواجه الطفل السليم عادة صعوبة أثناء الرضاعة أو تناول الحليب من الزجاجة. إلا أن فعل التغذية البسيط هذا قد يتحول إلى اختبار جهد حقيقي لدى الرضيع الذي يعاني من صعوبة في الدورة الدموية القلبية. فقد يلهث الطفل أثناء الرضاعة، ويتوقف مرارًا لالتقاط أنفاسه والراحة. ويمكن ملاحظة تعرق شديد عادة في منطقة الرأس والرقبة أثناء التغذية. كما تستغرق الرضعة وقتًا أطول من الطبيعي، وقد ينام الطفل في كثير من الأحيان من شدة التعب قبل أن يشبع تمامًا. وعلى المدى الطويل قد يمهد ذلك لتوقف زيادة وزن الرضيع وتأخر نموه مقارنة بأقرانه. وفي الحالات الأكثر تقدمًا قد يتنفس الطفل بسرعة حتى وهو مستلقٍ بهدوء في سريره، وقد يبدو غير مهتم بما حوله وفي حالة نوم عميق مستمر.
أما لدى الأطفال في سن اللعب والأطفال الأكبر عمرًا، فتظهر الحالة غالبًا من خلال القدرة على التحمل أثناء النشاط. فقد يبدو الطفل سليمًا جدًا أثناء الراحة في المراحل المبكرة، إلا أنه قد يُلاحظ أنه يتعب أسرع بكثير من أقرانه أثناء اللعب في الحديقة، أو الركض بوتيرة خفيفة، أو صعود طابق واحد من الدرج. وقد يترك اللعب مرارًا في منتصفه ويشعر بالحاجة إلى الجلوس والتقاط أنفاسه. ولأن الجسم يستهلك مخزون الطاقة بسرعة، فقد يصبح المشي إلى المدرسة أو حمل حقيبة مدرسية ثقيلة أو حتى ترتيب الغرفة صعوبة كبيرة.
هل تسبب أمراض القلب الخلقية الوهن؟
تُسمى بعض النواقص أو الاختلافات التطورية التي تحدث في البنية التشريحية للقلب خلال مرحلة النمو داخل رحم الأم بأمراض القلب الخلقية. وقد تسبب هذه الحالات التعب لدى الطفل أساسًا من خلال التأثير في نسبة أكسجة الدم أو تحميل القلب جهدًا يفوق قدرته الفيزيولوجية المتوقعة.
ومن أكثر الحالات شيوعًا وجود ثقوب في الجدران المسماة الحواجز، والتي تقع بين حجرات القلب. وبسبب هذه الفتحات يمر الدم المؤكسج القادم من الرئتين عبر الثقب ويتجه مجددًا نحو الرئتين بدلًا من أن يُضخ إلى الجسم. ويضطر الجانب الأيسر من القلب إلى الانقباض بسرعة تفوق وتيرته الطبيعية لإرسال كمية كافية من الدم إلى الأنسجة. ومن ناحية أخرى، قد يؤدي ازدياد تدفق الدم إلى الرئتين إلى إرهاق الأوعية الرئوية أيضًا. وبينما تكون احتمالية صغر الثقوب الصغيرة أو انغلاقها مع نمو الطفل مرتفعة إلى حد كبير، فإن الثقوب الأكبر قد تجعل القلب يبذل جهدًا مفرطًا باستمرار، فتسبب تعبًا مزمنًا وتوقفًا في النمو.
أما المجموعة الأخرى فتشمل الحالات الأكثر تعقيدًا التي يُوزع فيها الدم إلى الجسم قبل أن يحصل على أكسجة كافية. وفي هذه الحالات تبقى نسبة الأكسجين المقدمة للجسم أقل من القيم المستهدفة.
وتشمل بعض العلامات التي يمكن ملاحظتها عند انخفاض الأكسجة ما يلي:
- الزرقة حول الشفتين
- الزرقة في أسرّة الأظافر
- سرعة التعب أثناء الحركة
- الحاجة إلى القرفصاء والراحة
- تأخر النمو العام
ويؤدي بقاء مستوى الأكسجين في الدم الجاري داخل الجسم ضمن الحدود المنخفضة باستمرار إلى نقص تغذية الأنسجة. وقد يشعر الطفل عند بذل الجهد بالحاجة المفاجئة إلى الجلوس أو اتخاذ وضعية القرفصاء. وتُعد القرفصاء رد فعل غريزيًا يضغط أوعية الدم في الساقين، ويغير تدفق الدم العائد إلى القلب، ويساعد الطفل على الشعور بالراحة. كما تكون قياسات الأكسجين البسيطة التي تُجرى من اليدين والقدمين في مرحلة حديثي الولادة مفيدة جدًا للكشف المبكر عن مثل هذه الحالات.
هل يمكن أن تكون النفخة القلبية سببًا للوهن؟
غالبًا ما يسبب سماع نفخة في قلب الطفل بواسطة السماعة الطبية أثناء الفحوصات الروتينية قلقًا مبررًا للعائلات. إلا أن النفخة ليست تشخيصًا لمرض بحد ذاتها، بل هي الانعكاس المسموع من الخارج لاضطراب تدفق الدم داخل القلب. ويمكن تشبيه ذلك بالماء الذي يجري بصمت داخل أنبوب مستقيم، لكنه يصدر صوت خرير خفيف عندما يوجد تضيق في الأنبوب أو عندما يجري الماء بسرعة كبيرة.
وتُقسم النفخات عند تقييمها أساسًا إلى مجموعتين هما النفخات البريئة والنفخات المرضية. والنفخات البريئة هي اهتزازات غير ضارة تنشأ بسبب السرعة الطبيعية لجريان الدم في قلب يبدو سليمًا من الناحية البنيوية. وبما أن جدار صدر الأطفال أرق من جدار صدر البالغين من حيث العضلات والأنسجة الدهنية، يمكن سماع صوت التدفق الطبيعي في الداخل بصورة أوضح من السطح. وعادة تختفي النفخات البريئة في الأعمار اللاحقة مع نمو الطفل وزيادة سماكة جدار الصدر. وقد تزداد هذه الأصوات مؤقتًا أثناء الأمراض المصحوبة بالحمى، أو في حالات تسارع القلب مثل فقر الدم، أو أثناء الانفعال. ولا تسبب النفخات البريئة أي تأثير سلبي في صحة قلب الطفل، ولا تؤدي إلى تقييد الجهد أو انخفاض الطاقة أو النعاس المستمر.
أما النفخات المرضية فقد تكون علامة على اختلاف بنيوي داخل القلب، مثل الثقوب بين حجرات القلب، أو تضيق الصمامات، أو الارتجاع الناتج عن عدم انغلاق الصمامات بالكامل. وغالبًا ما تنتج هذه التدفقات المضطربة أصواتًا أقوى وأكثر خشونة وقسوة. وإذا كانت النفخة المسموعة أثناء الفحص قائمة على أساس مرضي، فقد يشير ذلك إلى أن القلب يتعرض لإجهاد يفوق الطبيعي، وأنه قد يتعب مع مرور الوقت ويسبب انخفاضًا في الطاقة. وتكون الفحوصات التفصيلية بالموجات فوق الصوتية مفيدة جدًا لفهم المصدر الحقيقي لهذه الأصوات وسرعتها وتأثيرها في القلب بوضوح.
هل تحفز الأمراض المكتسبة والعدوى أمراض القلب والوهن المرتبط بها؟
حتى إذا وُلد الأطفال بقلوب سليمة من الناحية البنيوية، فقد تؤثر بعض العدوى الشديدة أو الأمراض المرتبطة بالجهاز المناعي التي تحدث في مراحل لاحقة من الحياة في عضلة القلب. وقد تنشأ نتيجة هذا التأثر حالة من التعب تبدأ بصورة مفاجئة جدًا وتستمر مدة طويلة.
ويُعد التهاب عضلة القلب، المعروف باسم الميوكاردitis، من الحالات التي ينبغي مراقبتها بعناية. وغالبًا ما يتطور بعد العدوى الفيروسية الموسمية، مثل بعض فيروسات الإنفلونزا، عندما ينحرف الجهاز المناعي أثناء مقاومته للفيروس ويؤثر أيضًا في خلايا عضلة القلب نفسها. وقد تبدأ العملية في البداية على شكل عدوى بسيطة في الجهاز التنفسي العلوي، أو سعال، أو سيلان الأنف. إلا أن أداء انقباض القلب قد يبدأ بالتراجع عندما تتأثر خلايا عضلة القلب. وقد يُلاحظ لدى الطفل ألم أو انزعاج خفيف في منطقة الصدر، وشعور بالخفقان، وضيق نفس مفاجئ أثناء ممارسة حركات مثل الركض والقفز التي كان يؤديها بسهولة كبيرة حتى اليوم السابق.
أما مرض كاواساكي فهو التهاب جهازي في جدران الأوعية يُشاهد غالبًا لدى الأطفال الأصغر سنًا، وعادة دون الخامسة. وقد يؤثر هذا المرض في الشرايين التاجية الدقيقة التي تغذي القلب، مما يصعب تغذية عضلة القلب.
وتشمل بعض العلامات العامة التي يمكن ملاحظتها أثناء سير مرض كاواساكي ما يلي:
- حمى مرتفعة مقاومة
- طفح جلدي في مختلف أنحاء الجسم
- احمرار العينين من دون إفرازات
- لسان أحمر بمظهر الفراولة
- تورم العقد اللمفاوية حول الرقبة
أما التهاب الشغاف العدوائي فهو إصابة البطانة الداخلية للقلب أو صماماته بالعدوى بسبب بكتيريا دخلت إلى الدورة الدموية. وقد تنتقل الكائنات الدقيقة إلى الدم من سن متسوس غير معالج أو من نزيف اللثة، ثم تستقر في منطقة داخل القلب يكون فيها تدفق الدم غير طبيعي وتسبب الالتهاب. وتسير هذه الحالة مع حمى ترتفع على فترات وتحول الطفل تدريجيًا إلى حالة متزايدة من الإعياء. ولذلك فإن إكساب الطفل عادة تنظيف الفم والأسنان بالفرشاة منذ عمر مبكر يُعد جزءًا مهمًا جدًا من حماية صحة الجسم.
ما تأثير فقر الدم وأمراض العضلات في الوهن؟
قد لا يكون سبب انخفاض الطاقة المستمر لدى الطفل نابعًا دائمًا من الديناميكيات الداخلية للقلب نفسه. ومن المهم أيضًا مراجعة الحالات الجهازية الأخرى التي تؤثر في القلب بصورة غير مباشرة، وتجبره على العمل بصورة إضافية، وترهق أجهزة الجسم. ويأتي في مقدمة هذه الحالات فقر الدم الناتج عن نقص الحديد، وهو شائع جدًا في مرحلة الطفولة ويرتبط أيضًا بالعادات الغذائية.
ويُعد الحديد العنصر الأساسي في بناء خلايا الدم الحمراء المسؤولة عن نقل الأكسجين إلى الأنسجة داخل الدم. وعندما تنخفض مخازن الحديد في الجسم تضعف القدرة العامة للدم على حمل الأكسجين. ويطور الجسم آلية دفاعية جديدة لتوفير الأكسجين الذي تحتاجه الأنسجة بصورة روتينية. فيشعر القلب بالحاجة إلى ضخ كمية أكبر من الدم في الفترة الزمنية نفسها لتعويض نقص قدرة الدم على حمل الأكسجين، ويبدأ بالنبض بسرعة وقوة أكبر بكثير من السابق. وقد يسبب ذلك خفقانًا مستمرًا وشعورًا بالاضطراب الداخلي لدى الطفل. وعندما تستمر حالات فقر الدم الشديد مدة طويلة من دون علاج، قد تتعب عضلة القلب التي تبذل جهدًا مفرطًا باستمرار مع مرور الوقت، وينخفض مستوى الطاقة العام للجسم تدريجيًا، مما يزيد حالة النعاس.
وتشمل المجموعة الأخرى التي قد تؤثر في عضلة القلب الأمراض العصبية العضلية. فالأمراض العضلية الوراثية التي تتميز بنقص بعض البروتينات التي تحافظ على متانة العضلات وسلامتها قد تؤثر ليس فقط في العضلات الهيكلية الموجودة في الذراعين والساقين، بل أيضًا في القلب الذي يُعد نسيجًا عضليًا حيويًا. وقد تُضاف مع مرور الوقت حالات انخفاض أداء القلب إلى اختلافات التطور الحركي، مثل تعثر الطفل وسقوطه مرارًا أثناء المشي، أو شعوره بضعف ساقيه عند صعود الدرج، أو حاجته إلى الاستناد بيديه على ركبتيه عند النهوض من الأرض. وفي حالات نادرة قد تظهر هذه الاضطرابات العضلية مباشرة على هيئة تعب مستعصٍ واضطرابات في نظم القلب قبل أن تسبب شكاوى جسدية واضحة.
هل تسبب اضطرابات النظام الكهربائي للقلب الشعور بالوهن؟
يحتوي القلب على شبكة كهربائية شديدة الدقة تضمن انقباضه بانتظام وإيقاع محدد وسرعة مناسبة وبكفاءة. وقد تؤدي حالات التسارع أو التباطؤ التي تحدث في مركز التوليد الطبيعي، حيث تُنتج الإشارات الكهربائية في الحجرات العلوية للقلب، أو في المسارات التي تنقلها إلى الحجرات السفلية، إلى إفساد كفاءة ضخ القلب والتسبب في شعور مفاجئ أو طويل الأمد بالإعياء.
وفي الحالات المسماة تسرع القلب، ترتفع سرعة ضربات القلب إلى ما يفوق كثيرًا الحدود الطبيعية المناسبة لعمر الطفل أثناء الراحة. وينبض القلب بسرعة وبصورة غير مسيطر عليها إلى درجة أنه لا يجد وقتًا للاسترخاء والامتلاء بكمية كافية من الدم المؤكسج بين كل انقباض وآخر. وعندما تنقبض حجرات القلب التي امتلأت بكمية قليلة من الدم، لا تستطيع إرسال سوى كمية محدودة جدًا من الدم إلى الدورة الدموية الجهازية. وتظهر هذه الحالة لدى الطفل على شكل خفقان شديد يبدأ فجأة، وضيق في منطقة الصدر، وشعور بالتوعك، وشحوب الوجه، وتعب عميق. وإذا انخفض تدفق الدم إلى الدماغ مدة قصيرة، فقد يحدث اسوداد في الرؤية أو إغماء. وعندما تنتهي النوبة، يصبح الطفل منهكًا كما لو أنه ركض كيلومترات طويلة.
أما في بطء النظم المسمى بطء القلب، فتعمل آلية معاكسة تمامًا، إذ تكون سرعة ضربات القلب أبطأ بصورة واضحة مما ينبغي. وعند حدوث انقطاعات في توصيل الإشارة الكهربائية داخل القلب، قد تبقى سرعة القلب ثابتة أو ترتفع بدرجة بسيطة جدًا عندما يركض الطفل في الحديقة أو يبذل جهدًا، رغم أنه يجب أن تتكيف مع النشاط وتزداد. ولأن الحاجة المتزايدة للعضلات المتحركة إلى الأكسجين لا تُلبى، يضطر الطفل إلى إيقاف النشاط خلال فترة قصيرة، ويحاول التقاط أنفاسه، ويبدو راغبًا في الراحة باستمرار.
ما الأعراض المصاحبة للوهن التي تتطلب تقييمًا عاجلًا؟
على الرغم من أن التعب وتراجع القدرة على بذل الجهد والرغبة في النوم كثيرًا خلال النهار في مرحلة الطفولة تنتج غالبًا عن طفرات النمو الجسدي، أو الإرهاق الناجم عن وتيرة المدرسة، أو الأمراض الفيروسية الموسمية البسيطة، فقد توجد أحيانًا علامات مهمة لا ينبغي تجاهلها. وقد تكون هذه العلامات إنذارًا بإجهاد بنيوي أو اضطراب في النظم، وتتطلب تقييمًا أكثر دقة.
وقد يكون من المفيد الحصول على رأي متخصص عند ملاحظة الحالات التالية:
- فقدان الوعي المفاجئ أثناء الجهد أو ممارسة الرياضة
- وجود تاريخ عائلي لفقدان مفاجئ وغير مفسر في سن مبكرة
- آلام طويلة الأمد تبدأ في الصدر وتمتد إلى الظهر
- التعرق البارد الشديد أثناء النشاط البدني
- تغير واضح إلى اللون الأزرق أو البنفسجي حول اللسان وفي الأظافر
- التعرق المفرط والتنفس المصحوب بالصفير أثناء تغذية الرضع
ويجب التعامل بعناية أكبر مع فقدان الوعي الذي يحدث أثناء جهد شديد مثل الركض أو السباحة أو الرياضات التنافسية، مقارنة بحالات الإغماء أثناء الراحة أو النشاط الخفيف. وبالمثل، فإن رفض الرضاعة مرارًا في مرحلة حديثي الولادة، وبذل جهد مفرط والتعب أثناء الرضاعة، ثم الدخول في نوم عميق، كلها حالات تستوجب التقييم من الناحية القلبية.
ما الاختبارات التي يطبقها طب قلب الأطفال لمعرفة سبب الوهن؟
تُستخدم وسائل تقنية متعددة لمعرفة ما إذا كانت شكاوى التعب وانخفاض الطاقة ناتجة عن القلب، ولإجراء فحص تفصيلي للبنية التشريحية والتدفق الكهربائي للقلب. ومعظم هذه الاختبارات غير مؤلم، ولا يحتاج إلى إجراء أي شق في الجسم، ولا يحمل طبيعة مزعجة للأطفال.
يُعد تخطيط كهربية القلب من أهم وأسرع مكونات الفحص. فمن خلال اللواصق الناعمة المثبتة على صدر الطفل وذراعيه وساقيه، تُسجل التيارات الكهربائية الضعيفة التي ينتجها القلب على شكل موجات بيانية. وتوفر هذه الطريقة العملية، التي تستغرق بضع دقائق فقط، معلومات أولية حول اضطرابات النظم أو تأخر التوصيل الكهربائي أو بعض حالات تضخم عضلة القلب.
أما تخطيط صدى القلب فهو تصوير القلب بواسطة الموجات الصوتية. ومن خلال الموجات الصوتية المرسلة عبر القفص الصدري والمنعكسة عنه، تُعرض البنية الداخلية للقلب وسماكة الجدران والصمامات بصورة متحركة على الشاشة. وباستخدام هذه الطريقة الخالية من الإشعاع يمكن تقييم موقع الثقوب في القلب، ومرونة فتح الصمامات وإغلاقها، وقوة انقباض عضلة القلب. كما تسمح خاصية الدوبلر الملون برؤية اتجاه وسرعة تدفق الدم داخل القلب، والتمييز بين النفخات البريئة وتلك القائمة على سبب بنيوي.
وتتجاوز أجهزة هولتر النظم الصورة اللحظية التي يقدمها تخطيط القلب، إذ تسجل نظم قلب الطفل باستمرار لمدة أربع وعشرين ساعة عادة. ويُثبت هذا الجهاز، الذي يبلغ حجمه حجم الهاتف المحمول، على خصر الطفل، ويسجل كل ضربة من ضربات القلب دون أن يعطل روتين اللعب اليومي أو الدراسة أو النوم الليلي. ويُعد أداة مفيدة جدًا لاكتشاف نوبات الخفقان التي تظهر وتختفي فجأة خلال اليوم ولا يمكن رصدها وقت الفحص، وكذلك نوبات التعب المرتبطة بها.
أما اختبار الجهد على جهاز المشي فيُطبق لدى الأطفال الأكبر سنًا القادرين على المشي بصورة مناسبة على جهاز خاص. وأثناء مشي الطفل أو ركضه بسرعة محددة، يُراقب نظم القلب لحظة بلحظة بواسطة أقطاب تخطيط القلب وجهاز قياس ضغط الدم. ويتمثل الهدف في فهم اضطرابات النظم التي لا تظهر أثناء الراحة لكنها تُحفز أثناء الرياضة أو الحركة، وكذلك تقييم تغذية العضلة. وفي الحالات الأكثر تخصصًا وندرة، قد تُجرى قياسات كهروفسيولوجية متقدمة تحت تهدئة خفيفة لرسم الخريطة الكهربائية للقلب.
ما العلاجات المستخدمة في حالات الوهن الناتج عن القلب؟
بعد أن توضح الفحوصات والاختبارات مصدر تعب الطفل ونعاسه، يُخطط النهج العلاجي الأنسب وفق طبيعة المشكلة المكتشفة. وتُخصص هذه الخطط وفق عمر الطفل ووزنه ونموه العام، وتهدف إلى إعادة جودة حياته إلى طبيعتها.
وإذا كانت حالة الوهن ناتجة عن صعوبة انقباض القلب أو تراكم السوائل في الرئتين، فقد تُستخدم أولًا علاجات دوائية للمساعدة على إعادة توازن الجسم. ويمكن إعطاء أدوية تطرح السوائل الزائدة عن طريق البول لتخفيف الحمل السائل على القلب، وتقليل الوذمة في الأنسجة، ومساعدة القلب على العمل براحة أكبر. أما في حالات التعب المرتبط باضطرابات النظم، فقد تُفضل أدوية خاصة لتنظيم النظم تساعد على إبقاء سرعة عمل القلب ضمن نطاق مثالي وآمن. وتدعم هذه الأدوية انقباض القلب بكفاءة أكبر من خلال إطالة فترات الراحة بين الضربات.
وتشمل بعض الوسائل التي يمكن تقييمها في أمراض القلب التي لا يكون العلاج الدوائي وحده كافيًا لها ما يلي:
- إجراء الاستئصال بالقسطرة
- دعم جهاز تنظيم ضربات القلب
- استخدام جهاز مزيل الرجفان القابل للزرع
- إغلاق الثقوب بواسطة تصوير الأوعية
- توسيع الصمام بواسطة البالون
- أساليب الإصلاح الجراحي
وفي اضطرابات النظم السريعة المتكررة باستمرار، يمكن الدخول عبر الفخذ وتعطيل الأنسجة الدقيقة التي تسبب دائرة قصر داخل القلب وتفسد النظم باستخدام طاقة الترددات الراديوية أو التبريد بالتجميد. أما في الحالات التي تنخفض فيها سرعة القلب إلى مستويات خطيرة، فتمنح أجهزة تنظيم القلب الصغيرة المزروعة تحت الجلد القلب الإشارات التي يحتاجها، وتساعد على استعادة مستوى طاقة الطفل. ويمكن تصحيح تضيق الصمامات أو الثقوب البنيوية في القلب بواسطة الأجهزة المناسبة أو من خلال إجراءات الإصلاح التي تنفذها فرق جراحة القلب والأوعية عند الضرورة. ومع تصحيح البنية التشريحية يزداد أداء القلب، ويرتفع الأكسجين الواصل إلى الأنسجة، وتقترب قدرة الطفل على بذل الجهد من المستوى الطبيعي، وقد تتراجع شكاوى الوهن.
كيف يجب التدخل في المنزل لدى طفل يعاني من نوبة خفقان ووهن؟
إذا ذكر الطفل أن خفقانه بدأ فجأة أثناء اللعب أو الجلوس في المدرسة أو في المنزل، وأصبح لون وجهه شاحبًا وشعر بوهن شديد وكأنه غير قادر على الوقوف، فهناك بعض الخطوات البسيطة والفعالة التي يستطيع المحيطون به تطبيقها من دون هلع. ويساعد بقاء البالغين المحيطين بالطفل هادئين على تخفيف توتر الطفل وقلقه أيضًا، مما قد يمنع هرمونات التوتر التي تفرزها الغدد الكظرية من زيادة سرعة نظم القلب بدرجة أكبر.
في البداية، إذا كان الطفل واقفًا، فيجب إجلاسه في مكان آمن أو وضعه في وضعية استلقاء خفيفة بصورة تمنعه من السقوط والتعرض للأذى إذا شعر فجأة بالدوار. ويمكن الاستفادة من نظام المنعكسات اللاإرادية الطبيعي في الجسم لإنهاء بعض نوبات النظم السريع أو إبطائها. ويمكن أن يُطلب من الطفل أخذ نفس عميق، ثم إغلاق شفتيه والضغط على أنفه بيده والحزق بقوة كما لو كان ينفخ بطنه. وتُسمى هذه الحركة مناورة العصب المبهم، وقد تحفز العصب المبهم الذي يبطئ القلب من خلال زيادة الضغط داخل التجويف الصدري.
وإضافة إلى ذلك، قد يساعد غسل وجه الطفل بالماء البارد أو ملامسة كمادة باردة مأخوذة من الثلاجة لرقبته أو وجهه بضع ثوانٍ على تنظيم النظم من خلال إحداث تنبيه عصبي يشبه منعكس الغوص. إلا أنه إذا لم تستجب الحالة لهذه التطبيقات المريحة خلال بضع دقائق، أو لم ينتظم النظم، أو بدأ وعي الطفل بالتشوش، أو وصف ألمًا شديدًا في منطقة الصدر، أو تعرض لإغماء كامل، فمن المهم جدًا الحصول دون تأخير على دعم من خدمة طبية طارئة مجهزة.
هل يستطيع الأطفال المصابون بمشكلة قلبية ويعانون من الوهن ممارسة الرياضة؟
من أكثر الموضوعات التي تسأل عنها عائلات الأطفال الذين اكتُشف لديهم اختلاف بنيوي في القلب، أو مشكلة في النظم، أو شكوى من سرعة التعب أثناء الأنشطة اليومية، ما إذا كان بإمكانهم المشاركة في التربية البدنية. ورغم أن ممارسة الرياضة والبقاء نشطًا أمران مهمان جدًا للنمو البدني والنفسي والاجتماعي لكل طفل، فقد تكون هناك حاجة إلى بعض القيود أو التوجيهات الخاصة في أنشطة معينة وفق الحالة القلبية الكامنة.
وتكون التقييمات القلبية التفصيلية التي تُجرى قبل بدء التمارين والرياضات الجماعية مهمة جدًا لمنع الحالات الخطرة التي قد تُحفز أثناء النشاط الرياضي وفهم قدرة الطفل. ويمكن من خلال الاستماع إلى التاريخ الصحي للعائلة والفحص البدني والاختبارات التي تتطلب الجهد تحديد الرياضات التي يستطيع الأطفال فيها اختبار حدود أجسامهم بأمان.
وتشمل بعض أنواع الرياضة التي قد يُنظر في تقييدها تحت إشراف الطبيب لأنها قد ترهق القلب بدرجة كبيرة ما يلي:
- رفع الأثقال
- المصارعة الاحترافية
- الملاكمة ورياضات القتال المشابهة
- التجديف المتقدم
وقد ترفع هذه الأنواع من الرياضة، التي تنقبض فيها العضلات بصورة ثابتة ومفرطة ويترافق أداؤها مع حبس النفس، الضغط داخل الصدر بصورة مفاجئة، فتفرض على القلب أحمالًا إضافية وفورية. إلا أنه وفق البنية العامة للطفل وتقييم الطبيب، يمكن عادة دعم الأنشطة التي تجعل القلب يعمل بصورة أكثر انتظامًا وديناميكية، مثل المشي بوتيرة خفيفة، وركوب الدراجة للمتعة، وتنس الطاولة، أو السباحة بوتيرة مناسبة، ضمن قواعد محددة. كما تساهم الحركة النشطة في الحفاظ على معنويات الطفل مرتفعة من الناحية النفسية.
وفي الوقت نفسه، يشكل توفر أجهزة إزالة الرجفان الخارجية الآلية في أماكن ممارسة الرياضة وقدرة العاملين على استخدامها بصورة صحيحة شبكة أمان مهمة جدًا للحالات المفاجئة التي قد تحدث أثناء النشاط. ويجب دائمًا أخذ مشاعر التعب وضيق الصدر وعدم الرغبة التي يعبر عنها الطفل أثناء اللعب أو الرياضة على محمل الجد، وتقييم إشارات التحذير التي يرسلها الجسم بعناية.

البروفيسور الدكتور إبراهيم جانساران تانيدير هو خبير معترف به دوليًا يتمتع بـ خبرة سريرية وأكاديمية وتداخلية تقارب 20 عامًا في مجالات أمراض القلب الخلقية، وأمراض قلب الأطفال التداخلية، والإجراءات الهجينة، وتقنيات القسطرة منخفضة الإشعاع / الخالية من الفلوروسكوبي.
حتى اليوم، أجرى أكثر من 10,000 عملية قسطرة قلبية للأطفال داخل تركيا وخارجها، وكان من الرواد في بلاده في تطبيق الإجراءات التداخلية والهجينة المتقدمة لعلاج أمراض القلب البنيوية المعقدة.
ويمثل إنتاجه الأكاديمي المتمثل في 110 منشورات SCI/SCIE، و1,440 استشهادًا علميًا، ومؤشر H بقيمة 18 سلطة علمية قوية (Google Scholar، 2025).
